سارة آرونسون
سارة آرونسون

أول ظهور لـ الموساد .. لن تصدق من هي الجاسوسة التي أسقطت الدولة العثمانية؟

في كتابه "المرأة التي هزمت الدولة العثمانية"، يحمل الكاتب لطفي أردوغان سارة مسؤولية سقوط الدولة العثمانية وانتصار الإنجليز والفرنسيين عليها، ورغم ما يحمله هذه الكتاب من مبالغة في دور تلك المرأة، إلا أنه يحمل جزءاً كبيراً من الحقيقة، فالجنرال البريطاني اللنبي حين دخل القدس عام 1917 ووضع المدينة تحت الحكم العسكري البريطاني، لم يكن ليفعل ذلك بجنوده فقط، فهناك العديد من الجواسيس اليهود الذين عملوا خلف الكواليس لمدة تتجاوز العامين، وهو ما قاده للنصر لاحقاً .

بداية الاستيطان 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بدأ استيطان اليهود في فلسطين بنهاية عام 1842، إثر فرمان أصدره السلطان العثماني عبد المجيد الأول، أعطى فيه اليهود الصلاحية بتسمية رئيسهم الموجود في القدس بلقب رئيس الحاخامات، وبذلك استطاع اليهود أن يبدأو بتحقيق الخطوة الأولى ببناء كيان يهودي لهم في فلسطين، وبعد انعقاد المؤتمر الصهيوني بزعامة تيودور هيرتزل، تم اتخاذ عدة قوانين هامة منها ضرورة التقرب من القائمين على شئون بعض الدول الأوروبية لا سيما بريطانيا واختراق الدوائر الحاكمة في السلطنة العثمانية .

عائلة آرونسون:

كانت عائلة آرونسون واحدة من العائلات اليهودية الرومانية الثرية التي جاءت إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر أثناء حركة الهجرة الأولى، التي كانت تحظى بدعم مالي من المسيحين الإنجيليين واليهود الذين يتمتعون بموقع جيد في الدول الغربية .

كان لأفرين ومالكا آرنسون ستة أفراد، ونشأ الجميع بقرية زخرون يعقوب بتعليم جيد يركز على اللغات والسياسة والترايخ والفلسفة والثقافة والعلوم، وقد تم تمويل ذلك بواسطة أدمون روتشيلد الذي يسيطر على جزء كبير من ثروات العالم آنذاك، والذي استثمر 50 مليون دولار لتوفير المدارس والبنية التحتية للموجة الجديدة من المهاجرين اليهود الذين يستقرون في فلسطين، وهكذا نشأ أطفال آرنسون لكي يكونوا على قدر كبير من العلم والطموح .

سارة آرونسون:

ولدت سارة آرونسون في الخامس من يناير عام 1890 في مستوطنة زخرون يعقوب، وهي الابن الخامس في العائلة، ورغم أنها لم تكمل تعليمها الرسمي إلا أن دروس أخيها الأكبر جعلتها تتحدث الفرنسية بطلاقة وكذلك العربية والتركية والإنجليزية والعربية، كما تم تريبها على الهندسة الزراعية وعلم النبات. كما تزوجت سارة من حاييم أبراهام، وهو تاجر يهودي بلغاري، وانتقلت معه للعيش في اسطنبول عام 1914 لكن الزواج لم يدم طويلا بسبب عدم التوافق بينهما .

وفي هذه الأثناء اندلعت الحرب العالمية الثانية، ففكر اليهود أن هذه ربما تكون اللحظة المناسبة للتخلص من الحكم العثماني وإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط تحت الحكم البريطاني، وإنشاء وطنهم هناك، ولذلك كان قرار الكثير منهم وخاصة عائلة آرونسون الوقوف بجانب بريطانيا في الحرب، فقررت سارة ترك زوجها والعودة لفلسطين .

شبكة نيللي:

بعد عودة سارة إلى قريتها، عملت مع إخوتها الخمسة على تشكيل شبكة تجسس كبرى، أطلقوا عليها اسم "نيللي"، وهي اختصار للحروف الأولى من جملة تعني: إن إله إسرائيل لا يكذب أبداً، وكان لتلك الشبكة أهداف رئيسية أولها مساعدة الغزو البريطاني لفلسطين، ومحاولة ترويج فكرة أن الأتراك يقومون بقمع اليهود في فلسطين، والأهم من ذلك هو دفع الأمان للقضية الصهيونية في إقامة وطن لليهود في فلسطين .

وتولت عائلة آرونسون عملية إدارة هذه الشبكة التجسسية، والتي بلغ قوامها مئة إمرأة وثلاثمئة رجل موزعين على أماكن مختلفة في الشرق الأوسط .

جمال باشا:

وبعد عامين من اندلاع الحرب قدم إلى فلسطين الجاسوس البريطاني الشهير لورنس، والذي اشتهر بلورنس العرب، وعقد اجتماعاً مع سارة في مختبرها للأبحاث العلمية الزراعية في عتليب، وتحدث معها عن شخصية جمال باشا، الذي كان يتولى منصب وزير البحرية ويقود الجيش الرابع العثماني، ومقاليد إدارة بعض المناطق التي تسيطر عليها الدولة العثمانية، وأكد لورنس على ضرورة وجود طريقة للوصول إلى جمال والتقرب منه.

أاقامت عائلة آرونسون علاقات صداقة متينة مع عائلات عربية مرموقة في عدد من البلدان العربية، وفي أحد البيوت العربية تيسر لها الترعف على جمال باشا، فاستطاعت جذبه إليها بجمالها وثقافتها ومعارفها الواسعة، ومنذ ذلك الحين أصبحت عشبقته الدائمة التي تتنقل معه في كل مكان .

واستغلت سارة علاقتها بالباشا في تسهيل إدارة شبكتها التجسسية، فوزعت الفتايات الجميلات على أشهر فنادق بيروت ودمشق والقدس وغيرها من المدن التي كانت توجد بها مقرات عسكرية تركية، وذلك بهدف اصطياد الضباط الأتراك والألمان ومعرفة المعلومات الهامة منهم .

ومن خلال تلك الفتيات تمكنت سارة من الحصول على معلومات بشأن معركة السويس، التي نوى الجيش العثماني توجيهها لبريطانيا، فسربت تلك المعلومات لبريطانيان التي أخذت حذرها واستعدت واستطاعت هزيمة العثمانيين في تلك المعركة، كما حصلت سارة من جمال باشا على تصريح رسمي يسمح لها بالتجول بحرية في الأراضي العثمانية .

سارة واللنبي:

في اللقاء لوحيد الذي جمع سارة بالقئد البريطاني الجنرال اللنبي، على متن سفينة القيادة الإنجليزية، أشاد بجمالها وذكائها، ثم لقنها المهام التي ستقوم بها، وكانت تتضمن إحباط قيادة القائد التركي مصطفي كال باشا والقوات المتواجدة في مكة ومنعه من وصول هذه القوات لفلسطين، والتأكد من التحالق الأمير فيصل بوالده الشريف حسين في مكة وضرورة تنفيذ ذلك في أقرب وقت ممكن، والعمل على تنفيذ حكم الإعدام بالمعتقلين العرب الذين تعاملوا مع الفرنسيين، وإرسال خطط تحركات القرات التركية المرتقبة إلى غزة، والتحضير لاغتيال القائد العثماني أنور باشا، بالإضافة إلى ترويج نبأ قطع الإنجليز والفرنسيين طريق إدنا اسكندرون .

واستطاعت سارة أن تنفذ الكثير من المهام من خلال عملائها المباشرين، ودائرتها الأكبر من المرشدين والمخبرين، حيث قامت بجمع المعلومات وتنقيحها ثم تشفيرها والتواصل مع مقر المخابرات البريطانية في القاهرة، وإجراء اتصالات من مقرها في عتليب مع السفينة البحرية البريطانية "مَنَكَم"، كما أشرفت على تحويل الأموال الأمريكية اليهودية إلى هب لمساعدة السكان اليهود الجدد المستوطنون في فلسطين، كما قامت بتضليل السلطات التركية .

الصدفة تكشف سارة:

في سبتمبر من العام 1917 خرج أحد العساكر العثمانيين للصيد، وبالصدفة عثر في قدم إحدى حمامات الزاجل رسالة للبريطانيين، فذهب بها إلى قيادته التي استطاعت فك شفرتها "نيللي"، وعملوا أنها تحمل معلومات خطيرة عن الجيش والجنود، فجن جنون القيادة العثمانية وبدات حملة اعتقالات مكثفة على كل مَن تشبته به، وعندما علمت سارة بالأمر حاولت تهريب أفراد التنظيم خارج القرية، كما حاولت أن تتظاهر بالثبات لعدم لفت الانتباه إليها .

تمكن العثمانيون من ضبط أحد أفراد التنظيم، فلم يتحمل ما لاقاه على أيديهم من تعذيب ليخر بكل ما لديه من معلومات عن التنظيم، فاستطاع العثمانيون ضبط نعمان بليكن في دمشق وإعدامه فوراً، ثم جاء الدور على سارة، التي تم القبض عليها مطلع أكتوبر من العام 1917 .

تم اقتيادها لأحد السجون التركية الموجودة في زخرون يعقوب، ورغم التعذيب الذي تعرضت له لنزع الاعترافات منها، إلا أنها رفضت الكشف عن أي معلومات تتعلق بشبكتها التجسسية، وقبل تريحلها إلى أحد سجون دمشق طلبت سارة الإذن بالعودة إلى منزلها لاستبدال ملابسها فاصطحبها الجنود إلى منزلها، وأثناء تواجدها في دورة المياه أطلقت الرصاص داخل فمنها بهدف الانتحار، لكن الرصاصة لم تنفذ إلى رأسها، بل اصطدمت بأسنانها واصابت الحبل الشوكي، فلم يزيدها ذلك إلا مزيدا من العذاب .

توفيت سارة بعد ذلك بأربعة أيام تاركة رسالتها الأخيرة، والتي أعربت فيها عن أملها بأن تكون أنشطتها وشبكتها نيللي قد أسهمت في الاقتراب من تحقيق الحلم الصهيوني، وهو إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين .